خطبة الجمعة المذاعة والموزعة بتاريخ 28من ذي القعدة1447 هـ - الموافق 15/ 5 / 2026
العَشْرُ الأُوَلُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ١٠٢ ]، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71] .
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ: أَنْ جَعَلَ لَهُمْ مَوَاسِمَ لِلتَّزَوُّدِ مِنَ الخَيْرَاتِ وَمُضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ. وَمِنَ المَوَاسِمِ الفَاضِلَةِ الَّتِي أَعْلَى اللَّهُ شَأْنَهَا، وَعَظَّمَ أَمْرَهَا: أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، فَهِيَ أَيَّامٌ عَظِيمَةٌ مُبَارَكَةٌ، أَقْسَمَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا بِهَا، لِشَرَفِهَا وَعِظَمِ شَأْنِهَا، فَقَالَ تَعَالَى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1، 2]. وَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أَنَّهَا لَيَالِي العَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ. وَهِيَ الأَيَّامُ المَعْلُومَاتُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } [الحج: 28] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (الأَيَّامُ المَعْلُومَاتُ أَيَّامُ العَشْرِ). وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ هَذِهِ الأَيَّامَ بِأُجُورٍ كَبِيرَةٍ، وَرَتَّبَ عَلَى الطَّاعَاتِ فِيهَا خَيْرَاتٍ كَثِيرَةً، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ« [أَيِ العَشْرِ] قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ؟ قَالَ: »وَلَا الجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ«. [ رَوَاهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]. لَقَدْ خُصَّتْ هَذِهِ الأَيَّامُ المُبَارَكَةُ بِهَذِهِ الفَضَائِلِ؛ لِاجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ العِبَادَةِ فِيهَا، مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ وَذِكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى.
عِبَادَ اللَّهِ:
فِي هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ يَوْمٌ عَظِيمٌ مُبَارَكٌ أَلَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَقَالَ: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : (الشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَالمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ)، وَأَكْمَلَ اللَّهُ فِي هَذَا اليَوْمِ الدِّينَ، وَهَذِهِ أَكْبَرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ قَالَ تَعَالَى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَزَلَتْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ).
وَيَوْمُ عَرَفَةَ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ عِبَادًا مِنَ النَّارِ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟« .[رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا].
وَفِي هَذَا اليَوْمِ خَيْرُ الدُّعَاءِ: فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ